محمد أبو زهرة

623

زهرة التفاسير

وبالألسنة الجاهرة التي تقرع أجواز الفضاء بذكر الله العلى العليم ( الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ) . وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ الخطاب في هذه الجملة الكريمة ، إما أن نجعله خطابا خاصا بالذين صاحبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ أنجاهم ربهم من ضلال الوثنية ورجسها إلى نور الوحدانية وسموها ، ويكون المعنى اذكروا الله وقوموا له بحق العبودية ، واملئوا قلوبكم وألسنتكم وأعمالكم بذكره دائما ، واجعلوه مقترنا بكل ما يكون منكم في وجودكم الإنسانى ؛ فقلوبكم لا يملؤها سواه ، وألسنتكم لا تضرع لغير الله ، وأعمالكم لا يقصد بها إلا وجه الله ؛ فإن ذلك ثمن الهداية ، وأجر التوفيق ؛ ولذا قال : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي في مقابل هدايتكم ؛ فالكاف التي تفيد في أصل معناها التشبيه تقتضى أن يكون المعنى اجعلوا الذكر لله مشابها ومساويا للهداية الربانية التي فاض نورها عليكم ، وإنكم لتعلمون ذلك الفضل السابغ ، وإشراق الهداية إن تذكرتم ما كنتم عليه من قبل ذلك النور الذي قذف الله به في قلوبكم ؛ ولذا ذكر حالهم وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ إن هنا هي المخففة من الثقيلة ؛ أي إن حالكم أنكم كنتم من قبل هدايته من زمرة الضالين وجماعتهم ، فاعرفوا ماضيكم من حاضر أولئك الذين ما زالوا على ضلالهم ووازنوا بين حالكم وحالهم ؛ فإن تلك الموازنة تريكم نعمة ربكم عليكم ، وتريكم حالكم كما كنتم من قبل ؛ ولذا عبر عن حالهم الماضية بالوصف إذ قال : وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ أي من هذه الزمرة الضالة التي ترون حالها ، ولم يقل إنكم ضللتم من قبل . وإذا كان الخطاب للصحابة الأولين فعلى غيرهم أن يعرف فضل الهداية ، وإن لم يسبقها ضلال ، فليذكر الله إذ وفقه من أول الأمر ، وكان في الإمكان أن يكون من الضالين . وإن جعلنا الخطاب في الآية لجماعة المسلمين عامة الماضين واللاحقين الذين توارثوا الهداية الإسلامية ولم يسبق إليهم شرك ، ولم يكونوا من أهل الوثنية ، يكون الذكر لأن الله جنبهم إياها ، فباعد عنهم أسبابها ؛ فإن معنى الهداية هو إنقاذ